الجمعة  28 شباط 2025
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

لا مقولة لنا اليوم... لا عهد لنا

2025-02-28 09:20:34 AM
لا مقولة لنا اليوم... لا عهد لنا
رولا سرحان

في الماضي كانت مقولة الفلسطيني واضحة محددة، يستطيع طفل صغير في واحد من مخيمات اللاجئين ترديدها، حَفِظها كل من عاش في الشتات، أو من بقي صامدا على أرض فلسطين؛ وكانت تلك المقولة جامعة لامّة في عبارات: "فلسطين من البحر إلى النهر"، و"فلسطين عربية"، وأن "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين". وأذكر، عندما كنا في واحدة من دول الشتات، وفي مدرسة أنشأتها منظمة التحرير للطلبة الفلسطينيين المقيمين هناك، وأسمتها "مدرسة القدس"، أن معلمة التربية الوطنية، التي كانت تعطينا درسا أسبوعيا تثقيفيا عن تطوير وتنمية وعينا الوطني، أنها كانت تريد منا أن نحفظ واحدا من بنود الميثاق الوطني الفلسطيني لعام 1968، وهو البند (11)، الذي ورد فيه: "يكون للفلسطينيين ثلاثة شعارات: الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير". وعندما كنا نسأل المعلمة عن معنى كلمة "الميثاق"، كانت تجيب بعد برهة قصيرة من الصمت: "إنه العهد".

بمرور الوقت تحللت تدريجيا البنود الأساسية التي تشكل بنية هذا العهد وتعطيه قيمته ومعناه، والأصعب أنه جرى قصديا تحويله إلى ترنيمات في أذهان من كانوا يوما صغارا، فأصبح مجرد وثيقة تاريخية بعد أن عشنا مع قرارات قياداتنا الوطنية متاهات تفضي كل واحدة منها إلى الأخرى. وكثيرا ما كنت أعيد التفكير في سؤال لماذا كانت المعلمة تريد منا أن نحفظ ذلك البند تحديدا، ولماذا لم تختر بندا آخر من بنود الميثاق، فلماذا لم تختر مثلا أن نحفظ ذلك البند الذي يُعرف الفلسطيني، أو الذي يحدد حدود جغرافية فلسطين على أرض فلسطين التاريخية، أو الذي يحدد علاقتنا بالاستعمار، أو باليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين ما قبل النكبة؟ لم أجد جوابا شافيا أبدا، خاصة وأن الفترة المدرسية تلك كانت في مرحلة خرجت فيها منظمة التحرير من لبنان إلى تونس، وكانت قبلها قد أخذت قراراها الدراماتيكي بالمضي قدما في برنامجها المرحلي لعام 1975 والذي أفضى إلى إنشاء السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقات أوسلو، ومن ثم كل ما تلاه من تفكيك لمقولات الفلسطيني ولمعنى فلسطين.

لم يكن جواب ذلك السؤال في حينها إلا ضربا من التخمين وما زال، فلم نفلح نحن الطلبة الصغار في تحصيل إجابة عليه من معلمتنا. وإذا ما كان هنالك مجال اليوم لمزيد من التخمين، فلعله من قبيل أن شعارات العهد الثلاثة كلها مفتوحة على التأويل الجامع مثلها مثل التأويل المفرق، وأن جوهر معناها  كامن في اختيار المقولة المنضوية في ظل هذه الشعارات، أي: في معنى التحرير، وطريقة التعبئة لأجله، وفي مكوناته الوطنية. وهي البنية التي يفتقد لها العهد الفلسطيني اليوم، والذي ما إذا تمت استعادته بتضمينه مقولة جامعة قد يكون قابلا لأن يعيد لكل فلسطيني معنى فلسطينيته، ومعنى فلسطين بالنسبة له.

والأرجح أن قيادتنا السياسية والوطنية ما زالت متمسكة بهذه الشعارات الثلاثة من الميثاق بصيغة الشعار الذي يصم الآذان بدلا من أن يوقظ الوعي الوطني، فمنذ الانقسام الأولي للصف الوطني بعد اتفاقات أوسلو، والذي تحقق فعليا بانقسام 2007 جغرافيا وسياسيا وإداريا، وحتى الإبادة والمقتلة في غزة، والرغبة الجامحة للتطرف الصهيوني بتفريغ الضفة الغربية، والمشاريع والخطط التي يطرحها الأمريكي، ويحاول العرب حفظ ماء وجوههم بخطط مضادة لها؛ ضاعت المقولة الفلسطينية فضاع عهدنا فيما بيننا معها.

لم تختر المعلمة العودة معنا، نحن الذين عدنا إلى فلسطين بموجب اتفاقات أوسلو، وكم كنا مبهورين بهذه العودة، بل وما زلنا، لكن مكمن الانبهار اليوم قائم في أننا فهمنا معناها، وفهمته المعلمة قبلنا... فلا مقولة لنا اليوم، ولا عهد لنا!