تنتشر منظمات حقوق الإنسان والطفل والمرأة و "الفئات المهمشة" والفئات "الخاصة" كالفطر البري في مناطق السلطة الفلسطينية. لكن وجودها يعد نوعا من الديكور لا أكثر. وهو يأتي في باب مجاملة أوروبا والليبرالية الغربية، بالطبع أوروبا على نحو أساس.
في أكثر من مرة وفي مقابلات لدى منظمات حقوق إنسان محلية. يتم توجيه السؤال الشكلي في نهاية المقابلة: "هل ترغب في طرح أية أسئلة على اللجنة؟" كنت أسأل دائماً بشيء غير قليل من "التغابي": " هل هناك مخاطر يمكن أن أتعرض لها من قبيل الاعتقال أو تهديد سلامتي الشخصية بسبب عملي في المؤسسة؟" كان يبدو على وجوه أعضاء "اللجنة" دهشة ممزوجة بالاحتقار بسبب سؤالي الغبي. وكانوا يسارعون إلى بسط القول بإشفاق واضح أن مخاوفي لا أساس لها، وأنهم لم يتعرضوا مطلقاً، أبداً ومطلقا، لأية مضايقات، ولم يحدث أن تعرض أي من موظفيهم للاعتقال.
تستمر إلى ما لانهاية عمليات قتل الصبايا من غزة إلى جنين على خلفية الشرف العربي الفلسطيني الذي لا يريد أن يتجاوز الأعضاء الجنسية للمرأة. يتم تسجيل الحوادث والحديث عنها في مؤتمرات تعقد في غراند بارك، الإنتركونتننتال وفنادق أخرى. لكن ذلك كله ديكور. يتم التقاط الصور من أجل الممول الذي يشرف على ديكور حقوق الإنسان.
دون إطالة: "ما الدور الذي تؤديه منظمات حقوق الإنسان التي لا تستطيع أن تؤثر إيجاباً بأي شيء في حياة الفلسطينية والفلسطيني الحقيقية؟" نرجح أن دورها هو خلق الوهم لدى الجمهور لا أكثر. يعني هي مثل المؤتمرات التي تنعقد من أجل مناقشة التنمية أو التعليم أو البحث العلمي ويتم تمويلها من الخارج بغرض خلق الانطباع بأن الوطن بخير وأنه يتقدم، بينما يتم إعادة إنتاج الواقع هو ذاته إلى ما لا نهاية. لا فضل لنا في هذا الاكتشاف، فقد سجله باقتدار تام الراحل مهدي عامل في كتابه "أزمة الحضارة أم أزمة البرجوازية العربية" حيث لاحظ أن الطبقة البرجوازية التابعة للاستعمار تواصل البحث في سبل التقدم، فتخلق الانطباع بأنها تسعى نحو النهضة، بينما واقع الحال أن وجودها ذاته هو السبب في "التخلف" والضعف وغياب العلم والصناعة لأن حياتها وازدهارها تعتمد على خدمة الاستعمار وليس على بناء الوطن.
ديكور حقوق الإنسان جزء من الحرب السياسية/الايديولوجية لطمس وعي المواطن وخلق الانطباع بأن هذا العمل سوف يأتي بحقوق الفلسطيني سواء في مواجهة السلطة أو الاحتلال. غني عن القول إن من "الهبل" التام الاعتقاد بأن الاحتلال خاصة سوف يغادر فلسطين بسبب بيانات حقوق الإنسان. إنها فقط أنشطة "باراسيتامول" مهدئة تسهل الأمور بانتظار الهجوم النهائي الذي قد يؤدي إلى رحيلنا جميعاً إلى الجهة الأخرى من نهر الأردن. بالطبع معظمنا يعرف أن الطريق الحقيقي للدفاع عن الأرض والإنسان هو الطريق المعمد بالدم والدموع: إنه طريق المقاومة، المقاومة على وجه الحصر والتحديد.
لكن المنظمات الأهلية لها رأي آخر نبسطه هنا في سياق مناسبة عشناها بشكل مباشر.
كانت الدعوة واضحة تماماً من حيث موضوعها: دور المنظمات الأهلية الفلسطينية في عملية التحرر الوطني. وقد أحسست بدهشة حقيقية لأن اللقاء كان ممولاً. كنت أحمل بعض الآراء التي تتوهم أن الممول الغربي إنما يعمل على تدجين المواطن الفلسطيني وتعليمه فنون التعايش السلمي مع جيرانه الإسرائيليين. لكن الدعوة كانت لا تحتمل معنيين؛ وإذا كان هناك من شك في أخطاء مطبعية أو ما أشبه، فقد تولى ميسر اللقاء المهيب الذي احتوته قاعة فخمة من قاعات رام الله شرح أن الهدف من اللقاء هو مناقشة الاستراتيجيات المحددة لإنجاز عملية التحرر الوطني بالاستناد إلى استراتيجية متكاملة كتبت بتمويل فرنسي ونفذها خبير فلبيني. وقد بين أن الموضوع لا يلائمه الكلام العام الذي يصدر على عواهنه دون خطة واضحة مبنية على أسس علمية مع وجود مؤشرات (عفواً إندكيترز) قابلة للقياس الكمي. ولا بد أن سكنر عالم النفس الأمريكي الشهير ومستشار وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كان سعيداً برؤية رام الله وهي تتقدم على طريق تطبيق المعايير العلمية في فكرها التحرري الهادف إلى الاستقلال وبناء الدولة. ذلك أن الرجل يعد الأبرز من بين المفكرين الذين دعو إلى تكميم القياس وإلى استخدام الأدوات العلمية النفسية لغايات بناء البشر وعقولهم في السياسة وغيرها من الميادين.
أشار ميسر الجلسة إلى أن النص العربي نص ملتبس ومليء بالأخطاء، وأن المصطلحات غير واضحة. فسأل أحد أفراد الحضور عن السبب، ليأتيه الجواب بأن الوثيقة كتبت بالإنجليزية أصلاً من قبل الخبير الفلبيني الذي أبدع في رسم الخريطة الاستراتيجية لدور المنظمات الأهلية الفلسطينية في التحرير وإقامة الدولة المستقلة. المشكلة تتلخص في فشل المترجم المحلي في المحافظة على الدلالات الدقيقة للمفاهيم الإنجليزية. وفي الأحوال كلها يمكن تجاوز هذه الصعوبة بدون مشقة لأن معظم أعضاء الشبكة الفلسطينية يتقنون الإنجليزية. والواقع أنني لاحظت أكثر من مرة أن عدداً من الحضور قد تعثر في الكلام بالعربية واضطر (وأيضاً اضطرت) إلى اللجوء إلى التعبير الإنجليزي، على الرغم من أن طريقة لفظ الإنجليزية لم توح لي بالاقتراب من مستوى أبناء اللغة.
كان هناك عجوز أكل عليه الدهر وشرب يتململ في مقعده، ويتحفز لقول شيء. وبينما كان الميسر منهمكاً في توضيح طرق صياغة المؤشرات القابلة للقياس كمياً ومصادر المعلومات، وسبل التقييم وما إليها، انطلق العجوز خارج السياق بصوت بدا أقرب إلى الصياح: " ولكن كيف يمكن للفرنسيين أن ينظموا تحركنا من أجل التحرير؟ هل فرنسا معنا أم مع إسرائيل؟" أوضح أحد الحضور أنه خلافاً لوهم هذا العجوز، فإن أوروبا إجمالاً مع الحرية والديمقراطية للعرب وفلسطين، وهي في ذلك على خلاف مع أمريكا بدرجة أو بأخرى. وقد ذكر الرجل عملهم المهم في تحرير ليبيا من حكم الطاغية القذافي، ودعمهم لتحرير لبنان من الاحتلال السوري، وأخيراً مواقفهم الحاسمة في دعم الثورة السورية. وهذا الموقف من دعم تحرير فلسطين يأتي في الواقع منسجماً مع السياق العام للمواقف الفرنسية المعتادة في دعم حركات التحرر في العالم أجمع.
بدا على العجوز بعض الضياع، ونظر إليّ كأنما يطلب مني النصرة (ولا أقصد جبهة النصرة المدعومة فرنسياً بالطبع)، ولكني كنت أشغل نفسي باستراق النظر إلى عيون جميلة لإحدى الصبايا المشاركات في تدشين التحرك الفرنسي لتحرر فلسطين. ولذلك لم أنتبه لمراده إلا عندما زعق في وجهي: "ولكن أليست فرنسا القطب الثاني من أقطاب الاستعمار في العصر الحديث كله؟ أليست هي وأختها إنجلترا من أباد شعوباً بأكملها في القارات أليست؟ أليست هي وأختها من ارتكبت الفظائع في كل شبر من أرض العرب؟"
تركت الرجل يتوجع مثلما يشتهي، لأنني هذه المرة كنت أستمع إلى أحد الشبان يتحدث عن صعوبة جدية تواجه عمل المنظمات لتحرير فلسطين، وتتمثل في احتمال التعرض للملاحقة من قبل إسرائيل أو السلطة، وقد سأل الشاب ببراءة استفزتني لأول مرة في هذا اللقاء: "هل لديكم اقتراح لإقناع إسرائيل بالسماح لنا بالنضال؟" فقلت بجدية مبالغ فيها قليلاً: "طبعاً يمكن لنا أن نكتب بروبوزال للفرنسيين، ولا بد أنهم لن يتأخروا عن دعم الفكرة." بدا هناك بعض الارتباك والحيرة على وجوه الجالسات والجالسين، ولكن الشاب صاحب السؤال أعرب عن تقديره لحسن تفكيري واقترح أن توضع الفكرة على جدول الأعمال.
عندما أدرت محرك السيارة من أجل العودة إلى مقر عملي، كان مذيع "أجيال" يسأل شقيق أحد الشهداء عن تفاصيل الاشتباك الذي دار بين الشهيد وبين جنود الاحتلال. جاء صوت الشاب مشرشراً وحزيناً: "ولكنني لم أكن معه أثناء وقوع العملية." أنا أيضاً لم أكن معه؛ فقد كنت أفكر في خطة تحرير فلسطين على الطريقة الفرنسية.